ابن الجوزي
113
زاد المسير في علم التفسير
على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة ، فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار ، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام ، وروى عبد الله بن أبي مليكة قال : غدوت على ابن عباس ذات يوم ، فقال : ما نمت الليلة حتى أصبحت ، قلت : لم ؟ قال : طلع الكوكب ذو الذنب ، فخشيت أن يطرق الدخان ، وهذا المعنى مروي عن علي ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، والحسن . والثاني : أن قريشا أصابهم جوع ، فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا من الجوع ، فروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مسروق ، قال : كنا عند عبد الله ، فدخل علينا رجل ، فقال : جئتك من المسجد وتركت رجلا يقول في هذه الآية ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) : يغشاهم يوم القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام ، فقال عبد الله : من علم علما فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ، فأصابهم قحط وجهد ، حتى أكلوا العظام والميتة ، وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ، فقالوا : ( ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ) ، فقال الله تعالى : ( إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون ) ، فكشف عنهم ، ثم عادوا إلى الكفر ، فأخذوا يوم بدر ، فذلك قوله : ( يوم نبطش البطشة الكبرى ) ، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد ، وأبو العالية ، والضحاك ، وابن السائب ، ومقاتل . والثالث : أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة ، حكاه الماوردي . قوله تعالى : ( هذا عذاب ) أي : يقولون : هذا عذاب . ( ربنا اكشف عنا العذاب ) فيه قولان : أحدهما : الجوع . والثاني : الدخان ( إنا مؤمنون ) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن . ( أنى لهم الذكرى ) أي : من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول هذا البلاء ، ( و ) حالهم أنه ( قد جاءهم رسول مبين ) أي : ظاهر الصدق ؟ ! ( ثم تولوا عنه ) أي : أعرضوا ولم يقبلوا قوله ( وقالوا معلم مجنون ) أي : هو معلم يعلمه بشر